تجربتي
في مجال جمع وتدوين التراث الشعبي
بزة الباطني
أنهيت دراستي الثانوية
من القسم الادبي في الكويت وحصلت على بعثة لدراسة اللغة الفرنسية في بيروت عام
1972 وتخرجت من جامعة جرونوبل بفرنسا عام 1976 .
بدأت حياتي العملية
كمدرسة للغة الفرنسية في المرحلة الثانوية عام 1977 وحتى عام 1983 شاركت خلالها في
تأليف منهج اللغة الفرنسية لثانوية نظام المقررات والذي يدرس حاليا ومنذ ذلك الوقت. ورغم
استمتاعي بعملية التعليم إلا انني كنت احس في قرارة نفسي بانني لست في الموقع الذي
يمكن ان اسخر واوظف فيه كل علمي وثقافتي ومواهبي
ولست في الوظيفة التي يمكن ان تعطيني وتشبع حبي وحاجتي لكل ماهو جديد ومثير .ولم تمر
تلك المرحلة بسهولة فقد عانيت كثيرا بسبب روح الكاتب التي ولدت بها والتي حبستها واجبرتني
الظروف على احكام الاغلاق عليها لتكون زوجة
واما ومعلمة فقط
.
وفي عام 1983 وبإرادة
قوية امسكت بدفة حياتي التي كانت تبحر الى لا مكان وادرتها الى محيط لا اعرف عنه شيئا
الا انه حيث أحب ان اكون .
انتهزت فرصة وضعي
لطفلتي الرابعة وحصلت على إجازة أمومة غير مدفوعة الاجر لمدة عام كامل رغم كل المعوقات
. كنت بحاجة الى وقفة لالتقاط انفاسي ولتحديد ما احب ان افعل في هذه الحياة مهما كان
الثمن
.
جاءت امي لتقضي معي
فترة النفاس كعادتها فكنا نجلس لنعتني بالطفلة . وكنا نغني . ظهرت اغنيات لم اسمعها
من قبل فبدأت بتدوينها لاغنيها بدوري .
شدتني تلك الاغنيات
بقوة . كانت رائعة . وبدأت تثير في نفسي مشاعر واحاسيس وذكريات لمستقبل في عالم الكتابة رسمته لنفسي منذ الطفولة وأضعته في محاولة الوصول
اليه من اقصر الطرق.رأيت في هذه الاغنيات السهم المشع الذي يشير اليه .وكانت البداية .
بدأت بتذكر وتدوين كل ما اجفظه من اغاني المهد فقد نشأت في اسرة تغني
لاطفالها وعلى قدر كبير من الثقافة الشعبية وصارت أمي وأختى اول الراويات وأعلنت حالة
الاستنفار في إطار العائلة وبدأَتْ الاتصالات الهاتفية والقصاصات والاشرطة السمعية
التي صرت استلمها من بعض المتعاونين والمتعاونات من الاصدقاء والصديقات وصارت جلسات
الاستثارة وتداعي الافكار والذكريات .ثم اتسعت الدائرة بعد انتشار خبر اهتمامي بجمع
اغنيات المهد وصرت اتلقى الدعوات من اسر خارج نطاق العائلة ثم دقت ساعة العمل الميداني
الاكثر جدية فحملت جهاز التسجيل والاشرطة وصرت ادق الابواب التي اعرف استعدادها لاستقبالي
عن طريق المعارف والاصدقاء لجمع المزيد من الاغنيات او لتحقيق ما تم جمعه فلم تكن لي
صفة او تكليف من جهة رسمية تجبر الاسر على استقبالي والتعاون معي الا انني تلقيت استجابة
لم اكن اتوقعها من كل الرواة الذين التقيت بهم والذين ما زالت تربطني بهم علاقة حب
اسري عميق
.
ومن هذا ننتهي الى
أن الاسلوب الرئيسي الذي اتبعته في الجمع الميداني هو اسلوب المواجهة المباشرة مع الراوي
والنزول اليه في الميدان كما ان اختياري للراوي كان يخضع لمقاييس ولمعايير معينة من
اهمها سن الراوي ودرجة تعليمه الا انها مقاييس ذات مرونة حيث انني لم اهمل ايضا الشباب
ومن هم دون سن الاربعين حيث ان المادة يتم تحقيقها في وقت لاحق مع باقي الرواة .
التدوين:
كنت ادون ما اجمع
اولا بأول على بطاقات لتوثيق الاغنيات خوفا من فقدان الاشرطة او احتمال فساد ها. لم
تكن تلك البطاقات تحمل اية بيانات عن الراوي
فقد كنت اكتفي بتدوين تلك البيانات على الاشرطة و كراسات الجمع ثم أعيد صياغتها وكتابتها بأسلوبي الخاص على الآلة الكاتبة في ذلك الوقت.ثم عمدت الى تصنيف
الاغنيات فهناك اغنيات للتنويم واغنيات للصباح واغنيات للتعليم واخرى للملاعبة والترقيص
منها اغنيات خاصة بالبنات وأخرى بالاولاد .وكل منها يضم اغنيات صنفتها تصنيفا نوعيا حسب الموضوع الذي تتناوله .
بعد تدوين وتصنيف
الاغنيات التي بلغ عددها 182 اغنية الفيت بين يدي مادة دسمة للدراسة والتحليل واستخلاص
النتائج والدلائل التي تشير الى كثير من جوانب الحياة في الماضي والى طبيعة العلاقات
الانسانية التي كانت تربط المرأة بأطفالها وكل من حولها فكانت تلك الخطوة التالية التي دعمتها بقراءات مكثفة لكتب وبحوث ودراسات عربية
وأجنبية لا عن اغاني المهد وحسب بل وعن مادة التراث الشعبي ككل فعشقي الذي بدأ مع أغنيات المهد كانت شرارته نظرة
ادبية فرضتها ميولي وإهتماماتي الشخصية وطبيعة
دراستي للاداب ولم اكن ادرك حتى بعد أن بدأت الجمع بأنني دخلت ذلك المحيط الملئ بالكنوز والجمال ولم
أدرك بانني ما عدت ابحر ولكني أغوص حتى وصلت طريق اللاعودة واللا تراجع .
الفولكلور او التراث
الشعبي علم واسع مستقل بذاته سبقتنا اليه شعوب اخرى منذ مئات السنين وثارت حوله وحول
مواده وطرق جمعها وتصنيفها مناقشات ومداولات فظهرت له مدارس عديدة لها اعلامها واتباعها
واعداؤها .من اهمهم الكسندر هجرتي كراب وفلاديمير بروب وفي وطننا العربي كقيرون اذكر
منهم الاستاذ رشدي صالح )
وقبل نهاية عام
1983الفيت بين يدي بحثا نال ثناء من سبقوني في هذا المجال وأخذ مركز التراث الشعبي
لدول مجلس التعاون على عاتقه أمر طباعته ونشره .
وكانت الانطلاقة
. فودعت التعليم والتحقت بالعمل في مركز رعاية الفنون الشعبية التابع لوزارة الاعلام
في الكويت في عام 1984.(وكانت فرصة عظيمة بالنسبة
لي حيث ان المركز ملحق به ديوانية يجتمع بها كثيرون من الرعيل الاول من البحارة والنواخذه
وآخرون ممن مارسوا مهن مختلفة في الماضي فصاروا من بعد من اقرب واعز الرواة ) وتابعت اصدار بحوثي التالية التي افردت لكل منها
جمع ميداني خاص لم يكن اقل متعة من التجربة الاولى .وتلبستني روح الجامع الميداني فلم
يكد جهاز التسجيل والكراسة يفارقاني وصرت اتلقى
حتى دون أن اسأل وقد ساعدتني عملية النشر اولا بأول
وعلى حسابي الخاص، حيث أن ذلك اثبت للرواة جديتي وحبي لعملي وقدرتي على إعادة البريق
الى كنوزهم الدفينة .فاصدرت خمسة كتب بالاضافة الى أغاني المهد منها ما هو موجهة للاطفال
ضمن سلسلة التراث الشعبي للاطفال التي اعمل على اصدارها ومنها كتاب الازياء الشعبية
وكتاب الحكايات الخرافية الشعبية اما الكتب الاخرى فهي طرائف وحكايات نسائية الجزء
الاول والجزء الثاني وكتاب ترادشنز بالانجليزية
Traditions. The folklore of women and children in Kuwait
كل ما اصدرته من كتب كان
مرفقا بصور توضيحية قمت بإعدادها شخصيا مستفيدة من موهبتي في التعبير بالرسم وقد افردت
لهذه الرسوم جمعا ميدانيا منفصلا على هامش الجمع الميداني للمواد الاخرى حيث ان كل
هذه اللوحات تصور الانشطة التي كانت تقوم بها المرأة داخل البيت في الماضي وحياة الأطفال وحيث انني
لم اعش تلك الفترة فقد اصبح الرواة هم عيني وذاكرتي ونفق الزمن الذي يعيدني الى تلك
الفترة لالتقط الصور واعود بها الى الحاضر. رحمهم الله جميعا وأسكنهم فسيح جناته.
Comments
Post a Comment